احمد احمد بدوي
64
من بلاغة القرآن
تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( يونس 44 ) . إلى غير ذلك من عشرات الآيات التي وردت فيها تلك اللفظة ، وكانت متمكنة في مكانها أفضل تمكن وأقواه ، ووازن بينها في تلك ، وبينها في قول المتنبي يمدح كافورا : لو الفلك الدوار أبغضت سعيه * لعوقه شئ عن الدوران فإنك تحس بقلقها في بيت المتنبي ، ذلك أنها لم توح إلى الذهن بفكرة واضحة ، تستقر النفس عندها وتطمئن ، فلا يزال المرء بعد البيت يسائل نفسه عن هذا الشيء ، الذي يعوق الفلك عن الدوران ، فكأن هذه اللفظة لم تقم بنصيبها في منح النفس الهدوء الذي يغمرها ، عندما تدرك المعنى وتطمئن إليه . ولم يزد مرور الزمن بألفاظ القرآن إلا حفظا لإشراقها ، وسياجا لجلالها ، لم تهن لفظة ولم تتخل عن نصيبها ، في مكانها من الحسن ، وقد يقال : إن كلمة الغائط من قوله سبحانه : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ( المائدة 43 ) . قد أصابها الزمن ، فجعلها مما تنفر النفس من استعمالها ، ولكنا إذا تأملنا الموقف ، وأنه موقف تشريع وترتيب أحكام ، وجدنا أن القرآن عبر أكرم تعبير عن المعنى ، وصاغه في كناية بارعة ، فمعنى الغائط في اللغة المكان المنخفض ، وكانوا يمضون إليه في تلك الحالة ، فتأمل أي كناية تستطيع استخدامها مكان هذه الكناية القرآنية البارعة ، وإن شئت أن تتبين ذلك ، فضع مكانها كلمة تبرزتم ، أو تبولتم ، لترى ما يثور في النفس من صور ترسمها هاتان الكلمتان ، ومن ذلك كله ترى كيف كان موقع هذه الكناية يوم نزل القرآن ، وأنها لا تزال إلى اليوم أسمى ما يمكن أن يستخدم في هذا الموضع التشريعي الصريح . الفاصلة « 1 » نعنى بها تلك الكلمة التي تختم بها الآية من القرآن ، ولعلها مأخوذة من قوله سبحانه : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( فصلت 3 ) . وربما سميت بذلك ؛ لأن بها يتم بيان المعنى ، ويزداد وضوحه جلاء وقوة ، وهذا لأن التفصيل فيه توضيح وجلاء وبيان ، قال تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ( فصلت 44 ) . فمكانة الفاصلة من الآية مكانة القافية من البيت ، إذ تصبح الآية لبنة متميزة في بناء هيكل السورة .
--> ( 1 ) رجعت في كثير من هذا الفصل إلى كتاب الإتقان .